الذهبي

80

سير أعلام النبلاء

البغدادي ، صاحب التصانيف . سمع إسحاق الأزرق ، ومعن بن عيسى ، ويزيد بن هارون ، ويعقوب ابن إبراهيم . وتفقه بالشافعي . روى عنه : عبيد بن محمد البزاز ، ومحمد بن علي فستقة . وكان من بحور العلم - ذكيا فطنا فصيحا لسنا . تصانيفه في الفروع والأصول تدل على تبحره ، إلا أنه وقع بينه وبين الإمام أحمد ، فهجر لذلك ( 1 ) ، وهو أول من فتق اللفظ ، ولما بلغ يحيى بن معين ، أنه يتكلم في

--> ( 1 ) قال الحافظ ابن عبد البر في " الانتقاء " ، ص : 106 في ترجمة الكرابيسي بعد أن جود الثناء على علمه وإتقانه وتصانيفه : وكانت بينه وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة ، فلما خالفه في القرآن ، عادت تلك الصداقة عداوة ، فكان كل واحد منهما يطعن على صاحبه ، وذلك أن أحمد بن حنبل كان يقول : من قال القرآن مخلوق ، فهو جهمي ، ومن قال : القرآن كلام الله ولا يقول : غير مخلوق ولا مخلوق ، فهو واقفي ، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق ، فهو مبتدع . وكان الكرابيسي ، وعبد الله بن كلاب ، وأبو ثور ، وداود بن علي [ والبخاري ، والحادث ابن أسد المحاسبي ، ومحمد بن نصر المرزوي ] ، وطبقاتهم يقولون : إن القرآن الذي تكلم الله به صفة من صفاته ، لا يجوز عليه الخلق ، وإن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له ، وذلك مخلوق ، وإنه حكاية عن كلام الله ، وليس هو القرآن الذي تكلم الله به ، وشبهوه بالحمد والشكر لله ، وهو غير الله ، فكما يؤجر في الحمد والشكر والتهليل والتكبير ، فكذلك يؤجر في التلاوة . وهجرت الحنبلية أصحاب أحمد بن حنبل حسينا الكرابيسي وبدعوه ، وطعنوا عليه وعلى كل من قال بقوله في ذلك . وقال الإمام الذهبي رحمه الله في " الميزان " 1 / 544 في ترجمة الكرابيسي : فإن عنى بقوله : القرآن الكلام الله غير مخلوق ، ولفظي به مخلوق ، التلفظ ، فهذا جيد ، فإن أفعالنا مخلوقة . وإن قصد الملفوظ بأنه مخلوق ، فهذا الذي أنكره أحمد والسلف ، وعدوه تجهما . كما وضح المسألة الإمام الذهبي في " سير أعلام النبلاء " 11 / 510 في ترجمة علي بن حجر ، وبين مذهب الكرابيسي والبخاري . وفيه : وبالغ الامام في الحط عليهم ، أي : على القائلين : لفظنا بالقرآن مخلوق . وقال عن البخاري : وأما البخاري فكان من كبار الأذكياء ، فقال : ما قلت ، ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة ، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق ، وصنف في ذلك كتاب " أفعال العباد " مجلد ، فأنكر عليه طائفة ، وما فهموا مرامه كالذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي بكر الأعين وغيرهم . وجاء في " سير أعلام النبلاء " 11 / 291 عن فوران صاحب أحمد ، قال : سألني الأثرم وأبو عبد الله المعيطي أن أطلب من أبي عبد الله خلوة ، فأسأله فيها عن أصحابنا الذين يفرقون بين اللفظ والمحكي . فسألته ، فقال : القرآن كيف تصرف في أقواله وأفعاله فغير مخلوق ، فأما أفعالنا فمخلوقة . قلت : فاللفظية تعدهم ، يا أبا عبد الله ، في جملة الجهمية ؟ فقال : لا ، الجهمية الذين قالوا القرآن المخلوق . وراجع " طبقات الشافعية " للسبكي 2 / 199 وما بعدها ، و " تاريخ بغداد " 8 / 65 .